سهيلة عبد الباعث الترجمان

600

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

حدد الجيلي حقيقة الحق على ضوء ذلك ، فوجد أنه هو النهاية ، كما كان هو البداية وحقيقة كل شيء ، فهو إذن غاية الغايات ، ومنتهى النهايات ، لا يشترك معه شيء في الوجود ، وقد أشار مخاطبا الحقيقة الإلهية قائلا : " أنت غاية كل شيء ، ونهاية كل نهاية ، وحقيقة كل مقصود ، وبك وجود كل موجود ، فلا نخرج عنك ولا نتشوق إلى غير حالتك ، وقل تعاليت يا من لا نهاية له وهو غاية كل غاية . . . " « 1 » . ولما كانت حقيقة الحق على هذه الصورة ، فقد نفى الجيلي عنها المثلية إذ لا مثل للحق على الإطلاق ، فهو عين الوجود ، وحقيقة كل موجود ، ولما كانت له هذه الميزة ، فلا مثل له ولا تشبيه بل هو ذات منفردة متميزة قائمة بذاتها ، إذ لو وجد المثيل لصح أن يطلق عليه اسم الوجود ، فيكون له شريك في الوجود ، ومن هنا أفرد للحق مكانة عالية لا يدانيها مكانة في الوجود . فصرح في مذهبه أنه أمر واحد ، وأن حقائق الموجودات جميعها تجتمع في ذلك الوجود الحق ، ويقول في نفي مثليته شعرا : نزّه فهذا واجب للّه * لا الحاضرون دروا ولا اللاهي هم يحسّنون فيحسبون بأنهم * إياه ، حاشاه من الأشباه . . . الذات واحدة وأوصاف العلا * للّه والسفلى لعبد لاهي « 2 » وفي هذا القول موافقة لآراء ابن عربي حيث أشار في فتوحاته إلى القول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ « 3 » فهو يرى أنه ليس مثل الحق شيء لأنه عين الوجود كله ، فلا تعدد للوجود ، ولا تعدد إذن للموجودات لأن الوجود على الحقيقة عين الموجودات « 4 » . وهو في موقفه هذا من نفي المثلية عن اللّه تعالى إنما يتفق مع رأي غيره من الصوفية كأهل السنة والأشعرية الذين تصدوا لمواقف المشبهة والمجسمة من الذين شبهوا الذات الإلهية بذوات المخلوقين ، واعتبروها أحيانا جسما له صفات الجسم ، وهذا ما صدر عن الروافض والغلاة كالسبئية الذين ذهبوا إلى التشبيه لأنهم غلوا في حق الأئمة حتى

--> ( 1 ) الجيلي ، المناظر الإلهية ، ص 51 . ( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ( صبيح ) ، ص 13 . ( 3 ) سورة الشورى ، الآية : 11 ك . ( 4 ) الجيلي ، شرح مشكلات الفتوحات المكية ، ورقة 13 ، ص ب .